ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني
103
مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )
--> - وتصوّرت ، وإدراكه نفسه سبحانه متعينة بتعيّن هو محتد جميع التعينات الموصوف بها الحق وما سواه ، والموجب لهذا التعين هي الحقيقة الإنسانية الكمالية الإلهية المنعوتة بأحدية الجمع ؛ لكن لا مطلقا ؛ بل من حيث ما تتميز : أعني هذه الحقيقة عن الإطلاق الغيبي المذكور آنفا ؛ فإنها من وجه آخر لا تغاير ذلك الغيب ، ولا تمتاز عنه ؛ كما لا يمتاز الحق من حيث تعينه المذكور عن إطلاقه الغيي المنبّه عليه . وإذ نبّهتك على حقيقة الحق وحقيقة العلم بهذين الأصلين اللذين هما كالمقدمتين لما اذكره من بعد . فاعلم أن حقيقة كل ما عدا الحق عبارة عن : تعين صورة معلوميته في علم الحق أزلا وأبدا على وتيرة واحدة ؛ فالعلم الصحيح الكامل بالحق أو بمعلوم ما سواه إنما يحصل تماما ؛ إذا أدركه المدرك في مقام تعينه الأول بصورة معلوميته في علم الحق ، ولن يصح ذلك لأحد إلا بأن يرقي من مراتب التعدّدات العارضة له من وجه ؛ بسبب التلبّس بالوجود والقاضية بالتمييز ؛ وينسلخ من كل كثرة تقضي بالمغايرة بينة وبين ما يتوجّه إلى معرفته كان ما كان . فإذا وصل إلى مرتبة ذلك المعلوم اتّحد به بموجب حكم القدر المشترك بينهما ؛ الماحي آثارا المغايرة والامتياز كما مر بيانه ، وحالتئذ يشهده حقيقة ، ويشهد الأمر الموجب للتمييز ؛ الثابت أبدا بين العالم والمعلوم لا مطلقا من كلّ وجه ؛ بل من حيث كون أحدهما يسمّى عالما والآخر معلوما ، فافهم . ويشهد أيضا المميزات الأخر المتناهية الحكم وقتا ، وحالات ونشأة وموطنا ونحو ذلك ؛ فيعرف عند ذلك ما هو ثابت الإضافة إليه وإلى غيره بشرط أو شروط ؛ وما هو الثابت نفيه أيضا عنه وعن سواه كذلك . وإذا عرفت هذا ، فاعلم أن أكمل العلوم وأتّمها مضاهاة لعلم الحق ؛ لا يحصل إلا لمن خلت ذاته عن كل صفة ونقش ، واستقر في حاق النقطة العظمى الجامعة للمراتب كلها والوجودات والاعتدال الحقيقي المحيط بالإعتدالات المعنوية والروحانية والمثالية والحسية وما يتبعها من الكمالات النسبية والدرجات ، فتحقّق بالإطلاق الكمالي الإلهي والتعين الأول الذي قلنا أنه محتد جميع التعينات حتى صارت ذاته ؛ كالمرآة لكل شيء من حق وخلق ينطبع فيه كل معلوم كان ما كان ويتعيّن في مرآتيته بعين تعينه في نفسه ، وفي « علم الحق » لا يتجدّد له تعين آخر مطابق لتعينه الأول أو غير مطابق ، وهذا العلم هو أشرف العلوم ، وأكملها ، وأعلاها ، ولا يمتاز علم الحق عن هذا العلم إلا بالتقدّم ودوام الإحاطة وكمال الانبساط مع الانسحاب لا غير ، فافهم . ويلي هذه المرتبة العلمية : أن يكون « علم العالم بالمعلوم » كان ما كان هو بأن يستجلي -